2012-06-27 01:16:41
خاص عربي برس - الرقة
في الحديث عن مذهب السلف مدارس كثيرة ، وإذا تغلّب حديث الخيرية "خير (الناس) قرني ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم .." وفي رواية خير القرون ، قرني .." و ضمن حديث الخيرية ثمة تساؤلات ، وتساؤلات ، وأقوال عن أفعال ، أفعال أشخاص كانوا سيئين جداً في القرن الأول ، وفي القرن الثاني ، وفي القرن الثالث . ففي القرن الأول كان ناس من الناس يصاحبون الرسول ، وصفهم القرآن بالمنافقين ، ومنهم "الذين إذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً" .
وآخرون حاولوا قتل الرسول (ص) ، وآخرون قللوا الأدب مع الرسول ، محتمين بـ "لا إله إلا الله محمد رسول الله" مستغلين عفو الرسول عمن رددوها !..
وصحابة قاتلوا أصحابه وقتلوا كثيراً منهم ، وآخرون استغلوا صراع طائفتين من المسلمين ، فلم يصلحوا بينهما ، بل ركبوا موجة النفاق هنا أو هناك .
أما القرن الثاني ، فقد شهد كثيراً ، وكثيراً مما يخالف ما كان عليه الرسول (ص) وأصحابه ، وإذا أردنا استعراض ما جاء به التاريخ ، فسنجد ما تحبر به مئات الصفحات ، من مذابح جماعية ، وفردية أغلبها من أجل الصراع على الخلافة ، وفي عالم الفكر ظهرت المدارس الفكرية الإسلامية التي راح بعضها يكفر بعضاً ، ثم يقومون جميعاً إلى الصلاة في المسجد ذاته !.. واستمر هذا الصراع التكفيري إلى القرن الثالث .
ويمكن القول أن كل ما يعانيه المسلمون من انقسامات و خلافات في العصر الحديث ، يعود إلى القرون الأول والثاني والثالث ، نعم هذه حقيقة يجب التسليم بها ولها ..
مليار ونصف مسلم في العصر الحديث تعود خلافاتهم إلى تلك القرون الأولى ، وقد يرى بعض المفكرين أو الباحثين أن تلك الخلافات ظاهرة صحية .. نحن نؤمن بمقولة "الخلاف لا يفسد للود قضية" ولكن "الخلاف" ، وليس التكفير .. ولا مجال ، ليكون حديث الخيرية سليماً صحيحاً إلا بحذف ظاهرة التكفير .. يجب وجوباً الإيمان بالله تعالى وبرسوله ، وبدينه أن نحذف الفكر التكفيري من حياة المسلمين المعاصرين ، وليقف جميع المسلمين ضد التكفير والتكفيريين ، ولندعو إلى وحدة المسلمين بدل التكفير ، ولنعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه ، وإلا فإننا باستخدام حديث الخيريّة سابق الذكر سنبقى في حالة من المراوحة والتشرذم والضعف ، بحيث يستغل بعضنا هذه الحالة ويقف مع أعداء الدين ، مستغلين الأموال والإعلام لصالحهم ، وضد المسلمين كما يفعل الوهابيون اليوم .
من جهة أخرى قد يسأل سائل عن صحة حديث الخيرية ، لا شك عندي بصحة الحديث ، ولكن أمام ما طرحته من حوادث سلبية في القرون الثلاثة الأولى ، ما هو الجواب ؟
إننا نرى الجواب فيما قاله العلامة ابن عبد البر بأن الخيرية ثابتة لمجموع المسلمين في تلك العصور الثلاثة ، أما الأفراد ، فقد لا تنطبق الخيرية على بعضهم، بل قد يأتي فيمن بعدهم من هو أفضل منهم". وثمة سؤال قد ينهى كل خلاف حول مفهوم السلبية ، ما المقصود بمتابعة السلف ؟ هل المقصود بمتابعتهم بحياتهم الاجتماعية ؟ تقليدهم بحياتهم الاجتماعية بشكل كامل عادات وتقاليد ، لباس، طعام ، طريقة السكن والعيش ، كل شيء بالحياة الاجتماعية .
هل المقصود متابعتهم بحياتهم الاقتصادية ؟ الزراعية ، والتجارية ، والصناعية ، والمحافظة على مستواهم الاقتصادي ، أم المقصود الحالة الفكرية فقط . في واقع الحال ، فإنه بعد الفتوحات ، وما جلبته تلك الفتوحات من أموال وغنائم قلبت حياة كثير من الناس ، فالناس في القرن الأول ، كانوا بسطاء ، زاهدين في المأكل والمسكن والملبس ، وبعد الفتوحات ، ودخول الأموال والرقيق ، والجواري إلى الكثير الكثير من بيوت المسلمين ، تغيروا وصاروا يعيشون حياة اجتماعية واقتصادية تختلف عما كان عليه الناس في القرون الأولى .
ومن جهة أخرى حين دخل الناس من الأمم الأخرى الإسلام ، وتمت حالات من مئات الآلاف إن لم نقل الملايين من العرب بالزواج من المسلمات من الأمم الأخرى، فأحدثن تبديلاً في الحالات الاجتماعية والاقتصادية ، والثقافية وهذا كله صار معروفاً مألوفاً . فهل المقصود بالسلفية ، والتمسك بما كان عليه السلف الصالح ، رفض كل أشكال التطور ، وما أنتجه الاختلاط ، وظهور أجيال جديدة ، متعددة المخول وما أدخله هذا المخول من تغيير أكبره اللكنة التي شابت اللغة العربية ، والعادات والتقاليد ؟ أمام هذا كله نعود إلى السؤال مرة أخرى ، ما المقصود بالخيرية ؟
الخيرية هنا خاصّة ثابتة لمجموع المسلمين على تعدد مدارسهم الدينية ، فهم جميعاً سلف صالح رغم تباين مدارسهم الفكرية الدينية ولنبعد مرة أخرى إلى حياة رسولنا (ص) ، فهو القدوة ، وهو من كلفنا وأمرنا بمتابعة فكره ، ونطقه الرباني البعيد عن الهوى ، والرسول (ص) ، فكم من الصحابة من قام بعمل ما ، وافقه عليه الرسول ، وقام آخر بعمل آخر يخالف ما قام به الأول ، فيوافقه عليه الرسول ، وهذا ليس تناقضاً ، بل هو عين الصواب ، فقد وافق الرسول الأول على فعله في ظروف ما ، ووقت ما ، ثم تغيرت الظروف والأوقات التي جعلت الرسول (ص) يوافق الآخر ، بما يظهر بأنه مخالف في حين أنه غير مخالف تبعاً لتغير الظروف والمعطيات ، وأهم ما ثبت عليه الرسول ، ودعى الناس حوله التمسّك به ، والتثبت به هو التوحيد بكل أشكال التوحيد ، هو التثبيت بكل ما جاء به رسول الله (ص) عن رب العزة والجلالة ، والتثبت كذلك بأسلوب الرسول (ص) الذي ما قال عن شيء فيه فائدة للأمة وللناس لا مراعياً ظروف الزمان والمكان ، تماماً كما يحدث في موضوع الناسخ والمنسوخ .
ولننتبه إلى موضوع هام جداً إذا كان السلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى، فهذا يعني وجوب الإيمان والتسليم بكل الفرق والمذاهب التي ذكرها البغدادي ، والشهرستاني ، وغيرهما فهم أهل الخيريّة ، بموجب الحديث .. ولنأخذ بعين الحقيقة ما افترق عليه المجتمع في تلك القرون الثلاثة .
ولنتذكر أن جامعي كتب الحديث من أهل القرون الثلاثة كانوا من مدارس فكرية شتى ، ففيهم المشبّه المعتدلون ، والمجسّمة المعتدلون ، وفيهم المشبّهة الغلاة والمجسّمة الغلاة ، وفيهم قدرية ومرجئة ، وجبرية ، بل فيهم "خليط عجيب" وفيهم متناقضون ، وفيهم مكفرون ، وفيهم من كان يطعن على الآخرين ، وفيهم من كان يكذب على كبار الصحابة ، فينطق على لسانهم بما لم يقولوه .
هذا الخليط العجيب كله ضمن تلك القرون يسمّى عند الكثيرين "مذهب السلف" .
وأمام ما رأيناه من أحداث وأفعال سلبية في القرون الثلاثة ، فإننا نرى أن تلك السلبيات لا توافق المقصود بمذهب السلف ، ويبقى المصطلح غير واضح . لا توافق أن تكون هي المقصودة بالسلف ، وإذا كان أهل القرون الثلاثة الأولى هم المقصودون بالخيرية وبالسلف الصالح ، فإننا أمام مجموعة أسئلة ، يتقدمها الالتوضيح التالي :
"فالأئمة وكل العلماء المتفق على صلاحهم من قبل كل التيارات قديماً وحديثاً ، هم مجموعة صالحة ضمن عصور صالحة ، هم السلف الصالح ، ومن يتبعهم يكون تابعاً للسلف الصالح" ولا أعتقد أن عاقلاً واحداً من المسلمين لا يرى هذه الرؤية إلا إذا كانت هناك أفكار غير إسلامية بالأصل دست ، ونقلت ، وعرفت باسم الإسرائيليات "كانت وما زالت وراء الإصرار على تقسيم المسلمين ، وتكفيرهم ، وإلا فأجيبوني بحق "لا إله إلا الله" أجيبوني يا معشر المكفرين ، لكن بعد هذا السؤال ؟
هل الأئمة الذين ذكرناهم مسلمون يشكلون السلف الصالح ؟ فإن قلتم لا .. لا يشكلون السلف الصالح ، فقد انكشف المستور وظهر أثر الإسرائيليات واضحاً جلياً قديماً وحديثاً عند من يسمون أنفسهم "سلفيون" .
وإن قالوا نعم هؤلاء الأئمة يشكلون السلف الصالح . فإننا نسأل هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالسلفيين من المعاصرين ، لماذا تنهون المسلمين المعاصرين عن تقليد ذلك السلف الصالح؟!.
لماذا تهاجمون أئمة ذلك السلف الصالح ؟ هذان السؤالان يتبعهما السؤال الثالث الذي يقول :
أنتم الآن تكفرون من يتبع هؤلاء الأئمة ، لماذا ، ولصالح من ؟ ولماذا كفّر أسلافكم - ممن يدعون أنهم حنابلة ، وليسوا حنابلة – أتباع المذهب الشافعي ، وسبّوا الإمام الشافعي ، وطعنوا في إمامته ، ونهو الناس عن تقليد مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ؟!. وإذا كان هؤلاء الأئمة كفرة حسب قول من يدعون أنهم سلفيون ، فهل شيوخهم كفرة كذلك ؟!. وإذا كانوا كذلك ، فما الذي بقي من الإسلام والمسلمين غير صحيح وغير مسلمين ؟!.
لماذا قتل أجداد السلفيين المعاصرين الشوافعة في بغداد سنة 447هـ حتى سالت أزقة وشوارع بغداد بالدماء ؟ لماذا يقتل خلفهم المسلمون اليوم ، ويخربون بلادهم ، ولصالح من ؟ . مجموعة أسئلة على المسلمين أن يجيبوا عليها ، وليس على السلفيين واجب الإجابة لأنها معروفة لدينا .
ونعود لنختم بأن مسيرة الدم التي ظهرت قديماً فيما بين أصحاب تلك القرون ، هي ذاتها تظهر اليوم على يد خلف ذلك السلف ، ولكنه على كل حال سلف ليس إلا وخلف ليس إلا ، أمّا السلف الواجب الاقتداء به ، فهو الرسول (ص) في جميع حالاته ، وما يراعيه ، والقرآن الكريم بكل ما فيه ، ولا يستقيم التعريف إلا بالانتقاء الخاص للناس من حول الرسول ومن أهل القرنين بعده ، يصبح معه مفهوم السلف قرآنياً نبوياً ضيقاً انتقائياً .